كيف أصاب الاتراك «سوادة» طرابزون السياحية بسهم صلاح
بقلم/ محمد زكريا
ما رايناه في طرابزون لم يكن مجرد ردود فعل عشوائية، ولا احتفالات عفوية باستقبال نجم. بل كان حملة تسويقية مكتملة الاركان، صنعت في تركيا بهوية واضحة المعالم، انطلقت دون ضجيج، ودون اجتماعات ولجان مشتركة للبحث والعمل والكشف والتنقيب، ودون فلسفة زائدة او حكماء يناقشون الجدوى والاصول. لم تنتظر موافقات ولا خطابات ولا مراسلات كتابية تُمهر بتوقيع المسؤول لتنفيذ الحملة، ولم يقم رئيس هيئة تنشيط السياحة التركية بجولات مكوكية تكلّف خزائن الدولة اموالاً طائلة دون جدوى حقيقية او عائد يُذكر من ورائها،
لقد كانت كسهم رامٍ محترف، استقرت مباشرة في «سوادة» مرمى تصويب بدقة لم تخطئ الهدف
فالتركي لم ينتظر، ولم يضع استراتيجيات مطولة، بل نفذ بسرعة البرق، محولاً صفقة كروية إلى منتج سياحي جاهز خلال ساعات.
راقبوا جيداً ما يفعله الاتراك مع محمد صلاح.. فالموضوع بدأ يخرج بالفعل من حدود كرة القدم. ربما لاحظتم الصورة الاخيرة التي التُقطت لصلاح مع سيدة تركية، على مائدة طعام تحضن الاطباق التركية التقليدية، في مشهد مشبع بالدفء العائلي والبساطة الاسرة. هذه الصورة لم تكن مجرد لقاء عابر، بل كانت رسالة تسويقية ذكية مفادها ان محمد صلاح لم يعد مجرد لاعب في نادينا، بل أصبح ابناً لنا، وعضواً في بيتنا التركي. في ثقافات الشرق الاوسط، للطعام والدفء العائلي رمزية عميقة. وبادخال صلاح إلى هذا الاطار جعلته جزءاً من النسيج الاجتماعي التركي.
ما فعلته تركيا كان حملة مدروسة باحترافية، استخدمت فيها كل اسلحة الترويج السياحي المتاحة. في الطيران، اطلقت الخطوط الجوية التركية رحلات مباشرة من القاهرة إلى طرابزون خلال ساعات، مستغلة طلب الجماهير المصرية والعربية. وفي الاعلام، استُخدمت لقطات صلاح في شوارع المدينة واسواقها كدعاية مجانية، وكأنها مشاهد من مسلسل تركي ناجح يعرض جمال الطبيعة الخضراء والبحر الاسود. اما في الطعام والثقافة، فنقلت الصورة على مائدة الطعام رسالة خفية بان تركيا ليست وجهة سياحية فحسب، بل بيتاً دافئاً ينتظر زواره. وفي التاريخ والسياحة، تم تسليط الضوء على معالم طرابزون التاريخية كوجهات لا تُفوَّت، مرتبطة بوجود صلاح. والاهم من ذلك كله، التوقيت كان سلاحاً ناجحاً بامتياز. فلم تنتظر تركيا اسابيع، بل تحركت في غضون ساعات من الاعلان، مستغلة الزخم الاعلامي والفضول الجماهيري في ذروتهما.
خلال ايام قليلة، تحولت طرابزون إلى قبلة للسياح من العالم العربي والعالمي. الارقام تتحدث بوضوح: قفزت معدلات البحث عن فنادق طرابزون على منصات الحجز العالمية بنسب خيالية، وتجاوزت نسب اشغال الفنادق حاجز الـ90%، واستقبل مطار طرابزون اعداداً متزايدة من الرحلات الدولية. لكن الاهم ان هذه الطفرة لم تقتصر على الزوار العرب فقط، بل امتدت إلى اسواق جديدة، حيث تحول اسم طرابزون إلى ترند عالمي مرتبط باسم محمد صلاح.
الحقيقة ان ما حدث حتى الان هو مجرد فصل تمهيدي. تركيا تدرك ان استثمار صلاح مشروع طويل الامد، والتوقعات تشير إلى ان القادم قد يكون اكثر اثارة، من حملات ترويجية كبرى تستخدم صور صلاح في معالم تركيا الشهيرة، إلى باقات سياحية تجمع بين الرياضة والاستجمام، واستغلال صلاح في الترويج للمطبخ التركي والمنتجات الثقافية.
ما فعلته طرابزون في 5 ايام هو نموذج حي على ان نجاح الحملات التسويقية لا يعتمد على حجم الميزانية، بل على كيفية استثمار الحدث، وفهم عميق لنفسية الجمهور المستهدف. قدمت صلاح للعالم ليس كلاعب كرة قدم، بل كابن للبيت التركي، وفي هذا الاطار الذكي، كسبت قلوب الملايين، وفتحت شهيتهم لزيارة بلدها.